الشوكاني

342

فتح القدير

فقلت : الليل من البكرة والعشي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ليس هناك دليل ، وإنما هو ضوء ونور ، يرد الغدو على الرواح والرواح على الغدو ، تأتيهم طرف الهدايا من الله لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلون فيها في الدنيا ، وتسلم عليهم الملائكة . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " ما من غداة من غدوات الجنة ، وكل الجنة غدوات ، إلى أنه يزف إلى ولي الله فيها زوجة من الحور العين وأدناهن التي خلقت من الزعفران " قال بعد إخراجه قال أبو محمد : هذا حديث منكر . سورة مريم الآية ( 64 - 72 ) قوله ( وما نتنزل ) أي قال الله سبحانه : قل يا جبريل وما نتنزل ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استبطأ نزول جبريل عليه ، فأمر جبريل أن يخبره بأن الملائكة ما تتنزل عليه إلا بأمر الله . قيل احتبس جبريل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربعين يوما ، وقيل خمسة عشر ، وقيل اثنى عشر ، وقيل ثلاثة أيام ، وقيل إن هذا حكاية عن أهل الجنة ، وأنهم يقولون عند دخولها : وما نتنزل هذه الجنان ( إلا بأمر ربك ) والأول أولى بدلالة ما قبله ، ومعناه يحتمل وجهين : الأول ما نتنزل عليك إلا بأمر ربك لنا بالتنزيل . والثاني وما نتنزل عليك إلا بأمر ربك الذي يأمرك به بما شرعه لك ولأمتك ، والتنزل : النزول على مهل ، وقد يطلق على مطلق النزول . ثم أكد جبريل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال ( له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك ) أي من الجهات والأماكن ، أو من الأزمنة الماضية والمستقبلة ، وما بينهما من الزمان أو المكان الذي نحن فيه ، فلا نقدر على أن ننتقل من جهة إلى جهة ، أو من زمان إلى زمان إلا بأمر ربك ومشيئته ، وقيل المعنى : له ما سلف من أمر الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة وما بين ذلك ، وهو ما بين النفختين ، وقيل الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا ، والسماء التي وراءنا وما بين السماء والأرض ، وقيل ما مضى من أعمارنا وما غبر منها والحالة التي نحن فيها . وعلى هذه الأقوال كلها يكون المعنى : أن الله سبحانه هو المحيط بكل شئ لا يخفى عليه خافية ، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة ، فلا نقدم على أمر إلا بإذنه ، وقال : ما بين ذلك ، ولم يقل وما بين ذينك لأن المراد : وما بين ما ذكرنا كما في قوله سبحانه - عوان بين ذلك - ( وما كان ربك نسيا ) أي لم ينسك وإن تأخر عنك الوحي ، وقيل المعنى : إنه عالم بجميع الأشياء لا ينسى منها شيئا : وقيل المعنى : وما كان ربك ينسى الإرسال إليك عند الوقت